في إطار الاحتفال بالذكرى السنوية الـ140 للعلاقات الدبلوماسية بين فرنسا وكوريا، يقدم لكم متحف سيرنوسكي فرصة اكتشاف نحو ثلاثين عملاً للفنان الكوري شين سونغ هي (1948-2009)، وذلك من خلال معرض استعادي مخصص له.
يُعدّ شين سونغ هي (1948-2009) اليوم فناناً معترفاً به في عالم الفن في كوريا، حيث حظي بالعديد من المعارض وأُدرجت أعماله في مجموعات عامة عديدة. كما يُشكّل شخصية محورية في التبادلات الثقافية بين وطنه الأصلي وفرنسا، التي عاش فيها منذ عام 1980 وحتى وفاته عام 2009. ومع ذلك، لم تحظَ أعماله إلا برؤية محدودة نسبياً في بلده الذي اختاره مسكناً جديداً، رغم الحوار الغني والمثمر الذي أقامه مع المشهد الفني الفرنسي. وبينما تربط عمل شين سونغ هي علاقات واضحة، وإن كانت بعيدة بعض الشيء، بحركة "دانساخوا" (Dansaekhwa)، وهي حركة تشكيلية كورية ازدهرت في سبعينيات القرن العشرين ويُترجم اسمها حرفياً بـ"الرسم الأحادي اللون"، فإن عمله يتغذى بشكل أعمق من مثال مجموعة "سبورتس-سورفاس" (Supports-Surfaces)، وهي جماعة فنية فرنسية قصيرة العمر لكن مؤثرة جداً، نشطت بين عامي 1969 و1971.
إعادة بناء الرسم
في أوائل سبعينيات القرن العشرين، بدت اللوحات الزيتية التصويرية والملونة لشين سونغ هي متعارضة تماماً مع الجمالية الحدّية والأساليب الجديدة للتفاعل مع الدعامة (الدعم) التي اتبعها أقرانه في حركة "دانساخوا". صحيح أنه بدءاً من عام 1974، هدّأ شين سونغ هي لوحته اللونية بشكل كبير باختياره تقنيات الوهم البصري (trompe-l’œil) التي تصوّر، بدرجات مختلفة من البني، قماش الجوت. غير أن هذه الأعمال لا تُشكّل، مع ذلك، انضماماً إلى الاتجاهات السائدة في كوريا. فهي تحافظ على الوظيفة التمثيلية للرسم، التي تخلّت عنها حركة "دانساخوا"، بهدف التساؤل حول الطبيعة ذاتها للإنتاج التشكيلي. إن التكرار العبثي، عبر الوهم البصري، لقماش جوت مُرسَم على قماش جوت آخر يخلق عدم تناغم بين ما هو مصوَّر وطبيعة الجسم الحقيقي المعروض للنظر. تابع شين سونغ هي هذه الأعمال بعد وصوله إلى فرنسا عام 1980، آملاً في أن يكون أكثر حرية لمواصلة بحثه. وسرعان ما عاد، بالفعل، إلى اللون، في أعمال تُشكّل تفكيكاً، بل وتدميراً حرفياً للرسم. إذ تتكوّن هذه الأعمال من كرتون مُرسَم وممزّق إلى قطع، ثم مُلصَق على بلاستيك أكрил (Plexiglas)، أو على كرتون آخر، أو بعضها فوق بعض.
العودة إلى الرسم
إذا كان تمزيق عمل سابق يمثل تساؤلاً جذرياً وصريحاً حول الرسم، كممارسة وكجسم، فإن إعادة وضع قطع الكرتون في شكل مستطيل على لوحة من البلاستيك الأكريلي، أو تجميعها لإعادة بناء دعامة، يشهدان على رغبة شين سونغ هي في الحفاظ على الحوار مع هذا التخصص. وعاد شين سونغ هي، في الواقع، إلى رسم الحامل (لوحة الإيزيليه) في تسعينيات القرن العشرين. صحيح أنه استمر في إنتاج أعمال بالكرتون لبضع سنوات أخرى، وأدرج بانتظام عناصر خارجية في أعماله، وتابع التجارب مع دعاماته. غير أن هذه الدعامات أصبحت منذ ذلك الحين، في معظم الأحيان، أقمشة مشدودة على إطارات خشبية. أدى حبه الواضح للألوان إلى خلق شين سونغ هي لتكوينات تجريدية حيوية ودافئة، تتخلّلها وتُهيكلها بقع وخطوط على خلفيات تسيطر عليها درجات الأصفر والأحمر والوردي والبرتقالي.
الخياطات (Couturages)
في أوائل تسعينيات القرن العشرين، طوّر شين سونغ هي عدة سلاسل من الأعمال، مجتمعة تحت اسم "الخياطات"، والتي تختلف مادياً عن إنتاجات العقد السابق. لكنها ترث منها جزئياً، لأنها تجمع بين الرغبة في العودة إلى رسم الحامل وروح الأعمال المصنوعة من الكرتون التي نُفذت بين ثمانينيات القرن العشرين وبداية تسعينياته. فعلى الرغم من أنها لا تزال رسوماً مفككة ومُعاد تركيبها، إلا أنها تُقدّم، هذه المرة، كأقمشة مشدودة على إطارات خشبية. يبدأ شين سونغ هي بإنشاء رسم تجريدي. ثم يمزّق القماش إلى شرائح يضعها بترتيب جديد، قبل أن يخيطها معاً أو على قماش آخر. يمكن حينئذٍ طيّ حواف الشرائح نحو الخارج من العمل، مما يخلق تطريزات بارزة تفصل كل مساحة ملونة، أو نحو الداخل، مما يضع المناطق المختلفة المرسومة في تماس مباشر، على غرار فن الباتشورك (الرقع).
العقْد (Nouages)
بينما استمر في سلسلة "الخياطات" حتى أوائل الألفية الجديدة، طوّر شين سونغ هي، بدءاً من عام 1997، تقنية جديدة أسست لسلسلة "العقْد". يرسم أولاً قماشاً، ثم يقطعه إلى شرائح بعرض 1 إلى 2 سم. ثم يعقد هذه الأشرطة ببعضها البعض ويربطها بإطار خشبي أو بقماش آخر مقطع جزئياً، لإنشاء عمل ثلاثي الأبعاد تنشطه شبكة نابضة من العقد والأشرطة والثقوب. يخلق هذا الإنتاج جسراً بين أعمال مجموعة "سبورتس-سورفاس"، التي تذكرنا بها الطريقة التي يُعالَج بها الدعامة ليس كسطح يجب تغطيتها، بل كمادة يجب تنفيذها، وبين الثقافة الكورية. فمن ناحية، يميل فنانون حركة "دانساخوا"، مثل شين سونغ هي، إلى احترام إطار رسم الحامل أكثر من أقرانهم الفرنسيين. ومن ناحية أخرى، رفعت كوريا إنجاز أنواع معينة من العقد إلى مرتبة الفن، وهي مصنفة اليوم كتراث ثقافي غير مادي.
المصدر: paris.fr — الصورة: بإذن من تركة شين سونغ هي / معرض هيونداي
